الفيض الكاشاني
284
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
عقرك اللَّه » ( 1 ) وقال مطرف : ما سمعت ثناء أو مدحة إلا تصاغرت إلى نفسي . وقال زياد بن أبي مسلم : ليس أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة إلا تراءى له الشيطان ولكنّ المؤمن يراجع ، فقال ابن المبارك : قد صدق كلاهما أمّا ما ذكره زياد فتلك قلوب العوام ، وأمّا ما قاله مطرف فتلك قلوب الخواصّ . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لو مشى رجل إلى رجل بسكَّين مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه » وقيل : المدح الذّبح وذلك لأنّ المذبوح هو الَّذي يفتر عن العمل والمدح يوجب الفتور ، أو لأنّ المدح يورث الكبر والعجب وهما مهلكان كالذّبح ولذلك شبّه به فإن سلم المدح من هذه الآفات في حقّ المادح والممدوح لم يكن به بأس ، بل ربّما كان مندوبا إليه ولذلك أثنى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم على الصحابة ولكنّه قال عن صدق وبصيرة وكانوا أجلّ رتبة من أن يورثهم ذلك كبرا وعجبا وفتورا بل مدح الرّجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » ( 2 ) أي لست أقول هذا تفاخرا كما يقصده الناس بالثناء على أنفسهم ، وذلك لأنّ افتخاره كان باللَّه وبقربه من اللَّه لا بولد آدم وتقدّمه عليهم كما أنّ المقبول عند الملك قبولا عظيما إنّما يفتخر بقبوله إيّاه وبه يفرح لا بتقدّمه على بعض رعاياه ، وبتفصيل هذه الآفات نقدر على الجمع بين ذمّ المدح وبين الحثّ عليه إذ قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « وجبت الجنّة » لما أثنوا على بعض الموتى ثمّ قال : « أنتم شهداء اللَّه في الأرض » ( 3 ) . وقال مجاهد : « إنّ لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ذكر أخاه المسلم بخير قالت الملائكة : ولك مثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة : يا ابن آدم المستور عورته أربع على نفسك وأحمد اللَّه إذ ستر عورتك . فهذه آفات المدح . * ( بيان ما على الممدوح ) * اعلم أنّ على الممدوح أن يكون شديد الاحتراز من آفة الكبر والعجب
--> ( 1 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا وكذا الخبر الآتي . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4308 من حديث أبي سعيد الخدري . ( 3 ) أخرجه مسلم ج 3 ص 53 في حديث طويل عن أنس .